محمد كرد علي
44
خطط الشام
وحملوه إلى العاصمة فأهانوه وأذلوه . وكان ملك إنكلترا ، أو ملك الانكتار كما يقول مؤرخنا في الحروب الصليبية استعان بهذه الجزيرة ، وقد جعلها ريشاردس قلب الأسد لما جاء بأسطوله العظيم لفض الحرب مع صلاح الدين قاعدة أعماله الحربية البحرية . فانظر كيف يعيد التاريخ نفسه ، وكيف يتسلسل الفكر في الغرب وينقطع في الشرق بانقطاع من يبتدعه ويؤسسه . وكان الجنوية والبياسنة والبنادقة من سكان سواحل إيطاليا قد استولوا على البحار في تلك العصور كما استولت عليها بريطانيا العظمى في العصرين الأخيرين ، وكانوا احتلوا بعض جزر البحر المتوسط يأتون بعض السواحل الشامية يغزونها ، فكانت حكومات الشام تعنى بالمراكب أشد العناية والاعتماد في نقل الجيوش من مصر والشام على طريق البر لأنه أسلم ، اللهم إلا في أوقات مخصوصة من السنة وعندما يصافي ملوك الفرنجة والروم وصاحب قبرس . وظلت العناية بالأساطيل على عهد حكومات المماليك تختلف باختلاف عقل السلطان المتغلب ، وتفرّغ ذهنه لصيانة مملكته من الطوارئ الخارجية . أما السفن التجارية فزادت العناية بها خصوصا وأهل الشام ما برحوا منذ الزمن الأطول أمة تمارس الأسفار البحرية ، وتعرف من أين تؤكل الكتف في المتاجر ، وقد شوهدت آثار تجارتها حتى في جزائر بريطانيا وبلاد النروج وفنلندة ومعظم سواحل البحر المتوسط . وكانت الحروب الصليبية معلمة لأهل أوروبا على طريق البحار إلى الشرق ، ومعلمة لأهل الشام على اختراق العباب إلى أوروبا ، وكل ذلك على سفن ومراكب حفظت أمثلة منها في المتاحف البحرية في الغرب ولا سيما في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا . وكانت السفن الحربية تسمى بأسماء كثيرة منها الأغربة والبسطات والأعواديات والبركوشات والشلنديات والمسطحات والحراريق ( الحراقات ) واليخوت والشواني والقراقير . ولكثرة اختلاط النواتية والملاحين من أهل الشام وغيرهم من السواحل الإسلامية بأبناء حرفتهم النازلين على الشاطئ المقابل للشاطئ الإفريقي والشامي ، أخذ الفرنج كثيرا من المصطلحات البحرية عن العرب ، ونقلوها إلى لغاتهم محرفة مرخمة ، ولا تزال إلى اليوم تقرؤها في معاجم اللغات اللاتينية خاصة ، ومنها « أمير الماء » فحرف